لقد كنتَ تتمتعُ بصلاةٍ وصَلَتْ بك أو كادتْ إلى مقام القرب من اللهِ أو الأنس به أو التكلم معه
والآن سُمِح لك بالخروج من هذا المقام السمائِيِّ لتضرب في الأرض تبتغي من فضل الله فخرجت بالتسليم، بينما حرارة قربك من الله تعالى ما زالت تحلق بك في عالم الصلاة، فانتهز تلك الفرصة وقبل أن تصافح أحدًا أو تكلمه أو تنصرف ابدأ أذكارَ الصلاة فهي تَجْبُرُ لك ما عسى أن يكون قد وقع منك من تقصير فيها, فاهتف في البداية من أعماقك دبرَ الصلاة مباشرة:
«أستغفرُ اللهَ، أستغفرُ اللهَ، أستغفرُ اللهَ»، هذا استغفار اعتذار وكي يقبلَ الله اعتذارَك تملقه بالثناء قائلاً:
«اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَامِ»
و
تباركت يعني: كثر خيرُك وزادَ واستقرَّ بلا انقطاعٍ حتى صارَ بركة لا تزولُ ولا تحول، لما لا وأنت صاحبُ الجلالِ الذي لا يحتاجُ جلالهُ لشيءٍ وأنتَ الكريمُ الذي لا ينتهي كرمه دونَ حقيقةِ هذا الجلالِِ.
ثم ابدأ من جديد في تقديم إقرارات التوحيد:
«لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ»
فهذا هو توحيد الألوهية الذي أشرنا إليه في (
إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فراجعه هناك واعمل بمعناه هنا ثم واصل الأذكار:
«لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
وهذا هو توحيد الربوبية الذي أشرنا إليه في: (
إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
فراجعه هناك واعمل بمعناه هنا
ومن أجل هذا التوحيد العظيم الذي أنعمتَ علينا بعلمه يا ربنا فإننا نقرُّ أنه:
«لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» وتفسير هذه التسبيحة العظيمة تقدَمَ في أذكار القيام من الركوع فراجعه هناك واعمل بمعناه هنا.
ثم تبرأ في هذا المقام من حول نفسك وقوتها إلى حول الله تعالى وقوته في التوفيق إلى هذا التوحيد الخالص فأهْتفْ من جديد:
«لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ»
وقد امتلأتَ يقينـًا بأن هذه نعمة من الله ما أنعم على عبدٍ بشيءٍ خيرٍ منها ولولاه ما صليتَ ولا سلمتَ ولا وحدتَ فأنت مقرٌّ بأن النعمة من الله مِنَّةٌ منه وتفضلٌ فأهتف له:
«لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَلا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ»
يعني الثناء الذي بدأته بقراءة الفاتحة وواصلته بالركوع والسجود والذكر وتمنَّ عليه عزَّ وجلَّ أن يجعلك مخلصًا في كل ذلك وناجهْ:
«لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ».
** ولما أتمَ اللهُ عليك هذه النعمَ ومنحك فرصة المثول بين يديه بها ورزقك الوقتَ لها والصبرَ عليها والحبَّ لها فسبحه ثلاثـًا وثلاثين مرة
** ولمَّا رأيتَ أنه تعالى خصكَ بهذا الشرفِ دونَ كثير من الناس وفضلكَ به عن كثير منهم تفضيلاً كبيراً فاحْمَدْهُ ثلاثـًا وثلاثين مرة
** ولما لم يكن غيره قادرًا على منحك شيئـًا من فضله لعظمة كبريائه وقدرته المطلقة على ما قدَّر وقضى فكبره ثلاثـًا وثلاثين مرة.
** ثم توج المائة بـ «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير» فهذه الكلمة هي تاج التوحيد وزينة الإسلام وجوهر الإيمان
وفي النهاية ضعْ سورة الإخلاص تاجًا على رأس هذا العرس الإيماني الفريد
وأدفع عن نفسك عينَ نفسك ومن يحسدك من الجنِّ والإنس بقراءة سورة الفلق
ثمَّ اجعلْ بقراءةِ سورةِ الناس بينك وبين الشيطان جدار أمان يحميك من خبثِهِ بعد الانصراف من هذا الوقتِ الإيمانيِّ الطيبِ ومن وسوستِهِ وهمزِهِ ونفخِهِ ونفثِهِ
ثمَّ أختمُ بجامِعَةِ الخير سيدةِ آياتِ القرآن الكريم آيةِ الكرسيِّ.
ورويدًا رويدًا اخرجُ من هذا العالم القدسي إلى عالم الناس فأبتسمُ في وجوهِ المصلينَ حولك وصافحْ بالحبِّ من تيسرتْ لك مصافحته وأنت تراقبُ نورَ الإيمان في وجوههم وتتواصى ولو بالنظراتِ بالحق والصبر معهم، ثمَّ انصرفْ راشدًا في سكينة ووقار وأنت على شوقٍ إلى الصلاةِ التي بعد هذه الصلاة.
وأخيرًا فإن الاطمئنانَ والخشوعَ هما لُحمة الصلاة وسُداها وهما روحها التي تحلقُ بها في سماءِ العبادةِ، إذا حققتَ منهما ما تستطيعُهُ دونَ تفريطٍ وفقك الله تعالى إلى ما لا تستطيعه منها دون عناء حتى تصير الطمأنينة والخشوع خارجَ الصلاةِ ديدنك وسيماك فتكتسي حين ذلك ألبسة الوقار والهيبةِ ومن ثَمَّ سيما العلماءِ والصالحين.